أحمد بن يحيى العمري
170
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وسلم من مرورها على النقائع الوخمة « 1 » ، وأصول الشجر العفنة . وأما تركستان فمملكة لو انفردت لكانت ملكا كبيرا ، وسلطنة جليلة ، زهرة الدنيا ، وطراز الأرض ، بلاد الترك حقيقة ، من كناسها رتعت غزلانها ، ومن غاباتها سرحت ليوثهم ، وهي أقليم فسيح المدى قديمة الذكر ، منشأ حماة ، ومشب كماه ، وهي المرادة بقولهم بلاد الأتراك ، ولم تزل الملوك تلحظها لإتقاء بوادرها ، والتقاء زواخرها ، فأشد ما نكرت الأيام معالمها ، وغيرت الغير أحوالها ، ولقد صادفت حدة التتار في أول التيار ، فجاءت قدامهم في سورة غضبهم ، ولفحة نارهم ، وأمالت السيوف حصائد آجالهم ، ولم يبق إلا من قل عديده . حكي لي من رجال في رساتيقها [ 1 ] وجاز في قراها أنه لم يبق من نعالها إلا رسوم دائرة ، وأطلال بالية على البعد « 2 » القرية مشيدة البناء مخضرة الأكتاف فيأنس لعله يجد بها أنيسا ساكنا ، فإذا جاءها ، وجدها عالية البنيان خالية من الأهل والسكان ، إلا أهل العمد ، وأصحاب السائمة ، ليست بذات حرث ولا زرع ، وإنما خضرتها مروج أطلقها باريها ، وبها من النباتات البرية لا يذرها باذر ، ولا زرعها زارع ، ويوجد بها خلف من بقايا العلماء ، ويجري التيمم بالترب لعدم الماء . وأما الشاش [ 2 ] فمقدار عرضها مسيرة يومين في ثلاثة أيام ، وليس بخراسان ولا ما وراء النهر أقليم صغير على قدرها في صغر المساحة ، أكثر منها منابر وقرى عامرة ، وقوة شوكة ، وهي في أرض سهلة ليس بها جبل ولا أرض مرتفعة حزقة هي أكثر نفر ، وأبنيتهم من طين ، وعامة دورهم تجرى فيها المياه ، وكلها مستترة بالخضرة ، ولها مدن كثيرة تتدانى وتتقارب مسافتها .
--> ( 1 ) الوخيمة ب 96 . ( 2 ) ترى على البعد ب 96 .